الحرب تسحق الاقتصاد والوظائف

الحرب تسحق الاقتصاد والوظائف -- Mar 23 , 2026 15

لبنان اليوم يقف على حافة انهيار اقتصادي شامل، حيث تجتاح الحرب الدائرة كل زاوية من الحياة الاقتصادية والاجتماعية. القطاعان العام والخاص يشهدان تباطؤًا غير مسبوق، والإدارة العامة شبه مشلولة في مناطق واسعة من البلاد، بما يضاعف وطأة الأزمة ويُهدّد استقرار الدولة.

الأسواق التجارية، المصانع، المطاعم، الفنادق، وحتى القطاع الزراعي، جميعها تشهد تراجعًا حادًا في النشاط، مع انخفاض الطلب على السلع غير الأساسية، وتوقف الصادرات إلى الخارج، ما يزيد الضغوط على المالية العامة ويهدد آلاف الوظائف. كل رقم وإحصائية اليوم، وفق بيانات الهيئات الاقتصادية ورؤساء النقابات والجمعيات الاقتصادية، يظهران مدى خطورة الوضع على الاقتصاد اللبناني ومستوى معيشة المواطنين.

في ظلّ هذه الظروف، لم يعد الحديث عن الأزمة مجرّد كلام، بل واقع ملموس يهدّد النسيج الاجتماعي والاقتصادي للبنان. كل يوم من استمرار الحرب يعني مزيدًا من الانكماش الاقتصادي، وخسارة المؤسسات، وارتفاع معدلات البطالة، ما يجعل الحاجة إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لإنقاذ الاقتصاد أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.

حربٌ وتخبّط

يعرب الأمين العام لاتحاد النقابات السياحية جان بيروتي، عن أسفه لما آلت إليه الأمور، ويقول لـ "نداء الوطن": "الحديث عن السياحة في لبنان اليوم يبدو بعيدًا من الواقع. ما يعيشه البلد ليس موسمًا سياحيًا ولا تحضيرات للأعياد، بل أجواء حرب وتوتر تُلقي بثقلها على كل شيء. في مثل هذه الظروف، يُصبح الكلام عن حركة سياحية أمرًا ثانويًا، لأن الأولوية باتت للقلق اليومي الذي يعيشه اللبنانيون".

يُضيف: "نحن على أبواب الأعياد، بدءَا من عيد الفطر، وبعده عيد الفصح، وهي مناسبات كانت عادةً تشكّل فرصة لانتعاش البلد وحركة الأسواق. لكن هذا العام يبدو مختلفًا تمامًا، إذ دخلنا في دوامة من الانشغال بالأوضاع الأمنية والاقتصادية، ولا أحد يعرف إلى أين قد تصل الأمور.

يصف بيروتي الواقع بـ "المؤلم"، حيث "مئات آلاف اللبنانيين يعيشون حالة عدم يقين حقيقية، بعضهم لا يعرف ماذا سيفعل أو أين سيتجه. لذلك لم تعد المسألة مسألة سياحة أو مواسم، بل مسألة بلد يعيش قلقًا مفتوحًا، حيث لا أحد يعرف ماذا سيحمل الغد"، لافتًا إلى أن "البلد اليوم يعيش حالة من التخبّط وعدم الاستقرار، ومع ذلك يحاول كثيرون الاستمرار في العمل قدر الإمكان، فقط للحفاظ على مصدر رزقهم والاستمرار رغم كل الظروف الصعبة".

في ظل هذا الواقع، يسأل: "اليوم يُطرح كثيرًا سؤال الحدود الأمنية في لبنان: أين ستتوقف الأمور؟ هذا القلق في حد ذاته ينعكس مباشرة على البلد وعلى كل قطاعاته".

واقع الخسائر

يُشير بيروتي إلى أننا "لا نتحدث فقط عن أرقام اقتصادية، بل عن خسائر بشرية أيضًا. هناك مئات الضحايا في لبنان، مع ما يقارب 800 قتيل وآلاف الجرحى، وهذه المأساة الإنسانية تترك آثارًا عميقة على المجتمع وعلى الاقتصاد في آن واحد".

أما القطاع السياحي، فيلفت بيروتي إلى أن "بطبيعته هو أول المتضرّرين في أي حرب أو توتر أمني. هذا القطاع يقوم أساسًا على الاستقرار والثقة، وعندما تتصاعد المخاطر الأمنية يتراجع فورًا. لذلك، فإن استمرار هذه الأوضاع يضع مستقبل السياحة في لبنان أمام تحديات كبيرة، لأن أي حرب أو تصعيد ينعكسان مباشرة على هذا القطاع قبل غيره".

بالنسبة للخسائر، يقول: "اليوم يمكن تقدير الخسائر في القطاع السياحي بما يُقارب مليار دولار حتى الآن، فالموسم كان يعوّل بشكل كبير على فترة الأعياد، لكن مع خسارة هذه الفترة الأساسية تراجعت الإيرادات بشكل كبير".

ويلفت بيروتي إلى أنه "وفي حال توقفت الحرب الآن، يحتاج القطاع السياحي إلى حوالى الشهريْن للوقوف من جديد، لا سيّما أننا خسرنا موسم الأعياد. وعلينا ألّا ننسى أن القطاع السياحي يُشكّل ما يقارب الـ 20 % من الاقتصاد اللبناني".

أزمة إقليمية

كما يلفت إلى أن "هذه الخسارة لا تقتصر على لبنان وحده. فالتوترات الحالية طالت المنطقة بأكملها، وكل الدول المحيطة تأثرت بشكل أو بآخر، ما انعكس سلبًا على حركة السفر والسياحة في المنطقة".

لذلك، يؤكّد بيروتي أن "الأمر لم يعد مجرّد أزمة محلية، بل أزمة إقليمية أيضًا، حيث إن حالة عدم الاستقرار في أكثر من بلد تجعل الحركة السياحية ضعيفة في كل المنطقة، وهو ما يضاعف حجم الخسائر ويجعل التعافي أكثر صعوبة".

ختم حديثه مشدّدًا على خطورة ما يجري، بالقول: "يتساءل كثيرون اليوم: لماذا نفعل هذا بأنفسنا، ولأجل مَن؟ كان من الممكن معالجة كثير من الأمور بطرق مختلفة وتجنب الوصول إلى هذا الواقع. لبنان لا يملك أصلًا القدرة العسكرية أو الاقتصادية التي تسمح له بتحمّل تبعات حرب كبيرة في المنطقة. الحقيقة المؤلمة أن البلد يجد نفسه اليوم متورطًا في صراع أكبر منه بكثير. كان في الإمكان تجنب إدخال لبنان في هذه الدوامة، لكن ما حدث هو أننا وجدنا أنفسنا في قلب مواجهة ليست لنا القدرة على تحمّل كلفتها. لذلك، يشعر كثير من اللبنانيين بأننا أدخلنا أنفسنا في معركة ليست معركتنا، وفي ظروف تفوق قدرة البلد على الاحتمال، فيما الثمن يدفعه الناس والاقتصاد والاستقرار".

قلق وتحديات

من جهته، يقول نقيب أصحاب المطاعم والمقاهي والملاهي طوني الرامي لـ "نداء الوطن": "كان الأمل أن يسير لبنان في اتجاه استقرار سياسي ينعكس بدوره استقرارًا أمنيًا، الأمر الذي كان يمكن أن يفتح الباب أمام مرحلة من التعافي الاقتصادي بعد سنوات طويلة من الأزمات المتراكمة. إلا أن التطورات الأخيرة تعيد البلاد إلى دائرة القلق وعدم اليقين، وتضع الاقتصاد مجددًا أمام تحديات كبيرة".

ويلفت الرامي إلى أن "القطاع السياحي تحديدًا، كان بالكاد يستعيد جزءًا من نشاطه بعد سنوات صعبة، لكن أي تصعيد أمني أو حرب طويلة قد يؤديان إلى خسائر اقتصادية جسيمة. فالمشكلة لا تقتصر على تراجع الحركة السياحية فحسب، بل تمتد إلى احتمال تفكّك هذا القطاع مجددًا، مع ما قد يرافق ذلك من إقفال مؤسسات وخسارة وظائف لآلاف العاملين فيه".

ويُشدّد على أن "الشركات والمؤسسات في لبنان لم تعد تمتلك القدرة على تحمّل صدمات إضافية. بعد خمس أو ست سنوات من الأزمات المتتالية، تراجعت الملاءة المالية لدى العديد من المؤسسات، وأصبح من الصعب عليها الاستمرار في تحمّل فترات طويلة من التراجع أو الركود".

تفكّك القطاع

يُحذر الرامي في السياق، من أن "استمرار هذه الظروف سيترك انعكاسات سلبية كبيرة، ليس فقط على أصحاب المؤسسات، بل أيضًا على العاملين فيها، ما يهدّد بمزيد من الضغوط الاقتصادية والاجتماعية في بلد يعاني أصلًا من أزمة عميقة".

لذا يرى أن "القلق الأكبر يبقى في احتمال تفكّك المؤسسات الأساسية في لبنان، بما فيها المطاعم والمقاهي، التي تشكّل عماد القطاع السياحي. فالكثير من هذه المؤسسات يعتمد على مناسبات محدّدة مثل السحور في رمضان، والإفطارات الجماعية، وعيد الفطر، والعيد الكبير لدى الطوائف المسيحية، لتأمين جزء كبير من إيراداتها السنوية".

يختم بالقول: "إذا فقد القطاع هذه المناسبات، فإن ذلك يعني خسائر كبيرة، قد تصل إلى مليار دولار خلال شهرين فقط. فكل مؤسسة تعتمد على قدرتها في الاستمرار ضمن مواردها المحدودة، ومع أي فقدان لهذه الفترات الحيوية، تصبح قدرة المؤسسات على دفع رواتب موظفيها واستمرار نشاطها في خطر حقيقي. باختصار، استقرار القطاع السياحي مرتبط بشكل مباشر بقدرة هذه المؤسسات على الاستفادة من المناسبات الأساسية، وأي انقطاع أو تعطّل في هذه الفترات يهدد بتفكّكها وإضعاف الاقتصاد المحلي ككل".

لقد أثبت الواقع القاسي أن انزلاق أي طرف لبناني إلى الحرب لا يجلب إلّا الويلات على لبنان بأكمله. الاقتصاد منهار، المؤسسات تتداعى، آلاف العائلات فقدت مصادر رزقها، والمواطنون يعانون من الانكماش الاقتصادي وانعدام الأمن الغذائي والخدمات الأساسية. كل يوم من الصراع المسلح يضاعف خسائر البلاد ويعمّق جراحها.

رماح هاشم - نداء الوطن

أقرأ أيضاَ

بعد 70 عاماً.. "إسمنت السبع" توقف عملياتها واتهامات للحكومة

أقرأ أيضاَ

جاسم عجاقة: الجوع يطرق أبواب نصف القوى العاملة العاطلة عن العمل